يالله انا طالبك عيشة على الدين
واغفر لعبد لك كفوفه رفعها
العين تدمع من وجع صاحب العين
لو جف ماها بيضت من وحعها
والقلب يتألم من الحزن والبين
وتذوب روح اللي تزايد ولعها
كلن على ليلاه غنى المسيكين
والنفس ما تقنع ودايم طمعها
من عاب غيره ما يبي عيبه يبين
ومن همته دنيا العنا ما جمعها
د. مكي الشامي
في عالم يتسارع فيه الضجيج، وتتزاحم فيه الأطماع، تأتي القصيدة الصادقة لتعيد ترتيب أولويات الروح. هكذا فعل الدكتور مكي الشامي في أبياته الأخيرة، حيث لم يكتب مجرد كلمات موزونة، بل صاغ مرثية للدنيا ومناجاة للخالق، تلخص صراع الإنسان بين طين الأرض ونور السماء.
الاستهلال بالافتقار إلى الله
بدأ الشاعر قصيدته بأعظم غاية يرجوها المؤمن: "عيشة على الدين". إنها البداية التي تضع النقاط على الحروف؛ فكل عيش لا يستند إلى قيم الدين هو عيش ناقص. ثم ينتقل ببراعة إلى صورة "العبد" الذي يرفع كفوفه طلباً للمغفرة، وهي صورة تجسد الانكسار المحمود أمام عظمة الخالق، حيث لا ملجأ من الله إلا إليه.
بلاغة الوجع الإنساني
ينتقل الشاعر لوصف الألم الجسدي والنفسي، مستخدماً لغة بصرية قوية في قوله:
العين تدمع من وجع صاحب العين.. لو جف ماها بيضت من وجعها
هذا التشبيه المستمد من القصة القرآنية (بياض عين يعقوب عليه السلام من الحزن) يعكس عمق المعاناة التي قد تصل بالإنسان إلى حد فقدان البصيرة البصرية، لكنها تفتح بصيرته القلبية على حقيقة الفناء. فالقلب الذي يتألم من "البين" (الفراق) والروح التي تذوب من الوجد، كلها شواهد على أن الإنسان كائن عاطفي رقيق، تتقاذفه أمواج الحنين.
فلسفة القناعة وعيوب النفس
لم تغفل الأبيات الجانب الأخلاقي والاجتماعي، حيث لامس الشاعر قضيتين جوهريتين:
الطمع الإنساني: في قوله "والنفس ما تقنع ودايم طمعها"، يشخص الشاعر الداء الذي أزليّ الذي يحرم الإنسان من الطمأنينة.
النقد الاجتماعي: حين يتحدث عن من يعيب الآخرين ليخفي عيوبه، وهي لفتة تربوية ذكية تدعو للتصالح مع الذات بدلاً من الانشغال بالخلق.
حقيقة الدنيا
يختم الدكتور مكي الشامي ببيت يمثل "بيت القصيد" وخلاصة التجربة:
ومن همته دنيا العنا ما جمعها
إنها المعادلة الصعبة؛ فبقدر ما يركض الإنسان خلف "دنيا العنا" لجمع حطامها، يجد نفسه في النهاية غارقاً في تعبها دون أن يبلغ منها اكتفاءً.
هذه القصيدة دعوة صريحة للسكينة، وتذكيراً بأن الوجع والدمع هما جزء من طبيعة الرحلة، وأن الفوز الحقيقي ليس في ما تجمعه الأيدي، بل في ما تستقر عليه القلوب من إيمان وقناعة.
بقلم - احمد يوسف